ابو القاسم عبد الكريم القشيري

81

لطائف الإشارات

ويقال أصبح آدم عليه السّلام محمود الملائكة ، مسجود الكافة ، على رأسه تاج الوصلة ، وعلى وسطه نطاق القربة ، وفي جيده ( . . . . ) « 1 » الزلفة ، لا أحد فوقه في الرتبة ، ولا شخص مثله في الرفعة ، يتوالى عليه النداء في كل لحظة يا آدم يا آدم . فلم يمس حتى نزع عنه لباسه ، وسلب استئناسه ، والملائكة يدفعونه بعنف أن اخرج بغير مكث : وأمنته فأتاح لي من مأمنى * مكرا ، كذا من يأمن الأحبابا ولمّا تاه آدم عليه السّلام في مشيته لم يلبث إلا ساعة حتى خرج بألف ألف عتاب ، وكان كما قيل : للّه درّهم من فتية بكروا * مثل الملوك وراحوا كالمساكين [ فصل ] نهاه عن قرب الشجرة بأمره ، وألقاه فيما نهاه عنه بقهره ، ولبّس عليه ما أخفاه فيه من سرّه . قوله جلّ ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 36 ] فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) أزلهما أي حملها على الزّلة ، وفي التحقيق : ما صرّفتهما إلا القدرة « 2 » ، وما كان تقلبهما إلا في القضية ، أخرجهما عما كانا فيه من الرتبة والدرجة جهرا ، ولكن ما ازداد - في حكم الحق سبحانه - شأنهما إلا رفعة وقدرا . قوله جل ذكره : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ . أوقع العداوة بينهما وبين الشيطان ، ولكن كان سبحانه مع آدم ( وحرب وهو معهم محالهم بالظفر « 3 » ) . [ فصل ] لم يكن للشيطان من الخطر ما يكون لعداوته إثبات ، فإن خصوصية الحق سبحانه عزيزه قال تعالى : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » * . [ فصل ] لو كان لإبليس سلطان على غواية غيره لكان له إمكان في هداية نفسه ،

--> ( 1 ) مشتبهة ولكن يحتمل انها ( نضار ) فهي قريبة من ذلك في الرسم . ( 2 ) هذا رأى على جانب كبير من الأهمية . ( 3 ) هكذا وردت العبارة في ص وقد أثبتناها كما هي دون تصرف حتى في رسم الحروف .